مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يعود ملف الدعم الاجتماعي المباشر إلى واجهة النقاش، في ظل تباين في تقييم حصيلته بين المؤشرات الرسمية التي تبرز اتساع قاعدة المستفيدين، والواقع الاقتصادي الذي ما يزال يفرض ضغوطاً متواصلة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وتعتبر الحكومة هذا الورش أحد أبرز مشاريع الحماية الاجتماعية، بعدما استفادت منه ملايين الأسر منذ إطلاقه أواخر سنة 2023، من خلال تحويلات مالية تستهدف الفئات الهشة وتندرج ضمن مساعي توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتعزيز العدالة المجالية والاجتماعية.
غير أن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب التقليص التدريجي لدعم صندوق المقاصة، أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن مدى قدرة هذه المساعدات على مواكبة الزيادة في الأسعار، خاصة بالنسبة للأسر التي لا يشملها نظام الاستهداف، وفي مقدمتها الطبقة المتوسطة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الاعتمادات المخصصة للدعم الاجتماعي المباشر بلغت نحو 59 مليار درهم إلى غاية أبريل 2026، لفائدة ما يقارب 3.9 ملايين أسرة. وفي المقابل، تواصل مؤشرات الثقة لدى الأسر تسجيل مستويات متدنية، في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات، وهو ما يحد من الأثر الإيجابي للدعم على المستوى المعيشي.
ويرى متابعون أن فعالية الدعم الاجتماعي لا ترتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما أيضاً بمدى قدرة السياسات العمومية على ضبط الأسواق وتعزيز المنافسة، بما يضمن استقرار الأسعار ويحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما يبرز نقاش آخر يتعلق بآليات الاستهداف، في ظل تسجيل ملاحظات حول معايير الاستفادة، حيث يرى عدد من الفاعلين أن بعض الأسر المستحقة ظلت خارج دائرة الدعم، وهو ما يعزز المطالب بمراجعة منظومة الاستحقاق لتكون أكثر دقة وإنصافاً.
وفي السياق ذاته، يزداد الحديث عن ضرورة الانتقال من منطق الدعم المالي الظرفي إلى سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر استدامة، تقوم على الإدماج في سوق الشغل، والتكوين، وخلق فرص العمل، بما يسمح للأسر بتحقيق استقلالية اقتصادية تقلل من الاعتماد على المساعدات المباشرة.
وتبرز الطبقة المتوسطة بدورها ضمن أكثر الفئات المتأثرة بالتحولات الاقتصادية الأخيرة، بعدما تحملت تبعات الأزمات المتلاحقة، من تداعيات الجائحة إلى موجة التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، دون أن تستفيد من إجراءات دعم مباشر، الأمر الذي انعكس على قدرتها الشرائية ومستوى الادخار والاستهلاك.
كما تمتد التحديات إلى المقاولات الصغرى والصغيرة جداً، التي تواجه صعوبات مرتبطة بالتمويل والاستثمار والولوج إلى الصفقات العمومية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز آليات المواكبة وتخفيف الأعباء الجبائية، بما يدعم استمرارية هذه المقاولات ويحافظ على مناصب الشغل.
وفي قطاع النقل، يثار نقاش حول مدى نجاعة برامج الدعم الموجهة للمهنيين، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف التنقل، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى انعكاس هذه المساعدات على المستهلك النهائي، وفعالية آليات التتبع والرقابة المعتمدة.
ومع مرور أكثر من عامين على إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، يتجه النقاش اليوم نحو تقييم أثره الفعلي، ليس فقط من خلال عدد المستفيدين أو حجم الاعتمادات المالية، وإنما أيضاً عبر قياس مدى مساهمته في تحسين مستوى العيش، والحد من الفقر والهشاشة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
ويبقى الرهان الأساسي، وفق متابعين، هو الانتقال من سياسة تقوم على مواجهة آثار الأزمات إلى مقاربة تنموية شاملة، تربط الدعم الاجتماعي بإصلاحات اقتصادية وهيكلية قادرة على خلق الثروة، وتوفير فرص الشغل، وتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة.
نظرة نظرة موقع إلكتروني يهتم بجديد الأخبار المحلية، الوطنية والدولية.