مشروع مرسوم جديد يعيد رسم قواعد الصفقات العمومية ويعزز حضور المقاولات الوطنية

تتجه الحكومة إلى إدخال تعديلات جديدة على الإطار التنظيمي للصفقات العمومية، من خلال مشروع مرسوم يهدف إلى مواكبة التحولات التي يعرفها مجال الطلب العمومي وتعزيز فعالية الإنفاق العمومي، في سياق يتسم بتنامي الرهانات المرتبطة بتحفيز الاستثمار الوطني ودعم تنافسية المقاولات المغربية.

ويأتي هذا التوجه في إطار مسلسل متواصل لإصلاح منظومة الصفقات العمومية، التي تمثل إحدى أهم آليات تدخل الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية في الدورة الاقتصادية، بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية التي يتم ضخها سنوياً عبر مشاريع التجهيز والخدمات والتوريدات. وتراهن السلطات العمومية على هذه المنظومة باعتبارها رافعة لتنشيط الاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل وتحفيز الإنتاج المحلي.

وتتضمن التعديلات المرتقبة جملة من المقتضيات الرامية إلى تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بإبرام الصفقات العمومية، وتقليص التعقيدات التي تواجه المقاولات خلال مراحل إعداد الملفات والتنافس على المشاريع العمومية، مع تعزيز مبادئ الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين. كما تسعى المراجعة الجديدة إلى تحسين حكامة الطلبيات العمومية وتطوير آليات تقييم العروض بما يضمن اختيار المشاريع الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية والتقنية.

ومن بين أبرز التوجهات التي تحضر بقوة في الإصلاحات المتعاقبة لمنظومة الصفقات العمومية، تعزيز مبدأ الأفضلية الوطنية، بما يسمح للمقاولات المغربية بالاستفادة بشكل أكبر من الطلبيات العمومية، مع مراعاة الالتزامات الدولية للمملكة واتفاقيات التبادل الحر والشراكات الاقتصادية المبرمة مع عدد من الدول والتكتلات الاقتصادية. ويهدف هذا التوجه إلى رفع نسبة القيمة المضافة المحلية وتشجيع استعمال المنتجات والخدمات الوطنية وإشراك الكفاءات المغربية في المشاريع الممولة من المال العام.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن الإصلاح المرتقب يندرج ضمن رؤية أشمل تروم جعل الطلب العمومي أداة لدعم النسيج المقاولاتي الوطني، خاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه في كثير من الأحيان صعوبات في الولوج إلى الصفقات العمومية بسبب تعقيد المساطر أو ارتفاع شروط التأهيل والمنافسة. وفي هذا السياق، يُنتظر أن تساهم التعديلات الجديدة في توسيع قاعدة المستفيدين من المشاريع العمومية وتحسين شروط المنافسة داخل السوق الوطنية.

كما يكتسي البعد الرقمي أهمية خاصة ضمن الإصلاحات الجارية، في ظل التوجه المتواصل نحو رقمنة مختلف مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية. فقد شهدت السنوات الأخيرة اعتماد آليات إلكترونية لإيداع العروض وفتح الأظرفة وتدبير المعطيات الخاصة بالمقاولات، وهو ما ساهم في تقليص التدخل البشري والرفع من مستويات الشفافية وتتبع العمليات المرتبطة بالشراء العمومي.

ويرتقب أن تثير المقتضيات الجديدة نقاشاً بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين، خصوصاً في ما يتعلق بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات المنافسة الحرة وحماية المقاولة الوطنية، وبين الحاجة إلى تسريع إنجاز المشاريع العمومية وضمان احترام مبادئ الحكامة الجيدة وترشيد النفقات العمومية.

ويؤكد مختصون أن نجاح أي إصلاح لمنظومة الصفقات العمومية لا يقاس فقط بتعديل النصوص القانونية والتنظيمية، وإنما بمدى انعكاس تلك الإصلاحات على أرض الواقع من خلال تسهيل ولوج المقاولات إلى السوق العمومية، وتقليص آجال الأداء، والرفع من جودة المشاريع المنجزة، وتعزيز الثقة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.

وفي ظل الأوراش الاستثمارية الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، تظل الصفقات العمومية أحد أهم المفاتيح لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل أي تعديل يطال قواعدها محل متابعة واسعة من قبل المقاولات والمهنيين والهيئات الاقتصادية، بالنظر إلى تأثيره المباشر على مناخ الأعمال ودينامية الاستثمار.

عن admin

شاهد أيضاً

الدعم الاجتماعي المباشر.. بين أرقام الإنجاز وتحديات تحسين القدرة الشرائية

مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يعود ملف الدعم الاجتماعي المباشر إلى واجهة النقاش، في ظل …