الجدل حول تطبيق الشريعة


البعض عندما يتكلم عن تطبيق الشريعة أو نظام الحكم يظن أن نفاذها هو إشهار السيوف المهندة و السكاكين القاطعة و السياط المشرعة و الحبال المفتولة !! و الساحات العامة و الرجم و الجلد، و كأن الله تعالى – فقط – للقتل، و ليس للرحمة و البناء و للعيش في سبيله !!! إذا كان هذا هو فهمك لتطبيق الشريعة – يا عزيزي – إما أنك مغرض حقود أو جاهل بمقتضيات شريعة الحاكمية !!

أؤكد ابتداء أن تكاليف الشريعة، بعمومها تقع ضمن استطاعة الإنسان، و معلوم أن أقدار الاستطاعة تتفاوت من شخص لآخر، و من زمن لآخر، و من حالة لأخرى، حتى أقدار التدين و الاستطاعات تتغير صعودا و هبوطا على مستوى الشخص نفسه، لذلك فإن التكليف بأحكام الشريعة يبقى منوطا بالاستطاعة المتاحة، و في الوقت نفسه المطلوب من المسلم العمل على تنمية الاستطاعة و الارتقاء بها حتى يستكمل المكلف جميع فروع الشريعة و العلم و العمل بها !!

و الشريعة هي مجموعة التعاليم و الأحكام و القيم و المبادئ و الوسائل، التي شرعها الله لعباده في المجالات المتعددة، السياسية و التشريعية و العقابية و التربوية و الاجتماعية و الأخلاقية و المالية، و أحكام الحلال و الحرام …إلخ، و ليست فقط مجموعة الأحكام التشريعية القضائية و العقابية الجنائية و الجنحية؛ و شريعة الحاكمية جزء منها !!

و تطبيق الشريعة يعني – فيما يعني – الالتزام بها و الاستجابة لخطاب التكليف، بحسب مستويات محل التكليف، في تنزيل أحكامها على واقع الناس في مختلف المجالات – كما مر – و تجسيدها في حياتهم بحسب استطاعاتهم، ذلك أن التكليف الشامل لتطبيق جميع الأحكام الشريعية منوط بالاستطاعة، و ليس مفهوم تطبيق الشريعة مقتصرا فقط على تنفيذ العقوبات الجنائية الحدية النصية فقط !!

فالحاكمية، التي تشكلت أو أُنتجت لما شرع الله و التي نيط بها إدارة الأمور كما شرع الله، هي من تطبيق الشريعة، و هي وسيلة بحد ذاتها و ليست غاية، هي وسيلة لتطبيق بعض التكاليف الشرعية التي لا يمكن تطبيقها إلا بقيام الحاكمية ( الدولة )، إضافة إلى أن مهامها تحقيق كسب أكبر للرسالة الإسلامية و تطبيق أوسع لأحكامها في واقع الناس؛ و من هذا التطبيق للشريعة ما هو منوط بالفرد حسب موقعه، و منها ما هو منوط بالأسرة، و منها ما هو منوط بالمجتمع، و منها ما هو منوط بالدولة ( الحاكمية ) !!

لذلك لا يمكننا، بهذا التصور، أن نعتبر أن قيام الدولة المسلمة ( الحاكمية ) هو معيار تطبيق الشريعة الوحيد، و أن غياب الدولة لسبب أو لآخر يعني عدم تطبيق الشريعة بإطلاق، أو العدول عنها، و إن كنا نعتقد أنه لا يكتمل تطبيق الشريعة إلا بإقامة الدولة المسلمة؛ لأن إقامتها من تطبيق الشريعة ..

و لذلك نقول : يمكن أن تُطبق الشريعة في مجال الفرد و المجتمع بغياب الدولة، و يخرج الأفراد و المجتمع من عهدة التكليف إذا بذلوا وسعهم لإقامة الدولة و لو لم يتحقق ذلك، فليس تطبيق الشريعة كله مرتبطا بالدولة، كما توهم كثير من الجماعات و الأحزاب، من الذين أعفوا أنفسهم من التكاليف الشرعية بانتظار قيام الدولة، دون أن يستشعروا واجبهم بأداء التكاليف الشرعية المنوطة بهم و من ثم العمل على إقامة الدولة بالوسائل المشروعة و المستطاعة .. فإما أن تقوم الدولة و إما أن تعطل الأحكام !!!!

هذا من وجه، و من وجه آخر لم يبصر كثير من المسلمين – ناهيك عن المغرضين و المنافقين و العلمانيين – أبعاد الشريعة، و لم يروا منها إلا التشريع العقابي أو تطبيق الحدود، الذي اعتبروه المعيار الوحيد لتطبيق الشريعة، علما بأن العقوبات في أصلها هي حامية للمجتمع و الدولة، و ليست منشئة له، و إن كان دورها تربوي أيضا، و أن ترتيبها يأتي بعد قيام الدولة و تشكيل أجهزتها المختلفة القادرة على النظر و الفصل في الشؤون الحياتية..

و لعل الأخطر في هذا السياق أن الأمر لم يقتصر على تعطيل الأحكام حال غياب الدولة المسلمة، بكل سلطاتها و مسؤولياتها و إمكاناتها، و إنما ما تولد عن ذلك من إشكالية كبيرة و اختناقات ذهنية و عقلية و استعصاء فقهي، أنه في حال غياب الدولة المسلمة، التي تنفذ الأحكام و تطبق الشريعة فإن بعض الأفراد و بعض الجماعات يعطون لأنفسهم الشرعية بالقيام بوظائفها، فهم الدولة حال غيابها !!!

و من هنا يبدأ العبث بالأحكام في المجالات المتعددة، من مثل تنفيذ العقوبات، و إقامة الحدود الشرعية على الناس، و إعلان الج ه ا د من قبل الأفراد، الذين لا سلطان لهم و لا مسؤولية و لا استطاعة و لا تكليف، و استباحة الأموال و النساء فتُحول الحياة إلى فوضى عارمة و اختلال و ضياع المسؤولية و العبث بالحياة و حقوق الناس و أعراضهم، بحجة أن هذه أحكام الله و التي يجب أن تطبق، و عدم تطبيقها يوقع الناس في الإثم و المسؤولية، دون أن ندري أننا نجاهد و نضحي في المواقع الخطأ، و أن المطلوب أو نصيبنا من خطاب التكليف ليس تنفيذ وظائف الدولة ( الحاكمية ) حال غيابها؛ و إنما العمل على إقامة الدولة المنوط بها التنفيذ أو التطبيق لمثل هذا الأحكام بأجهزتها المختصة في ذلك، ذلك أن التكليف بها منوط ابتداءً بالدولة و ليس بالفرد و الجماعة، و أن الأفراد و الجماعات و حتى الدول نفسها، لو استفرغوا وسعهم في تطبيق الشريعة و لو لم يستوفوها جميعا لطبقوا الشريعة و استجابوا لخطاب التكليف، بالنسبة لهم المنوط بوسعهم، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا غاب الوسع لم يرد التكليف ..

و الله غالب على أمره ..

عن admin

شاهد أيضاً

مشاركة مكومار في النسخة العشرين لمنتدى “arts et métiers entreprises”

شاركت مكومار طلاب الهندسة بالمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بمكناس تنظيم النسخة العشرين لمنتدى “arts …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *