تجرد البحث العلمي

العمل العلمي، أو الكشف العلمي ليس حكرا على جنس أو لون أو عرق أو جغرافيا، و لو كان ذلك كذلك لانتفىٰ العدل الإلٰهي، العدل في الخلق و في الاستعداد، و إنما العلم عملية كسبية بمقدور الإنسان، إذا توفرت شروطها و ظروفها و مناخها، و لم يغتل الخوفُ و القلقُ و الاستبدادُ و الهيمنةُ و التحكمُ عقلَ الإنسان … و الراية العلمية لم تتركز تاريخيا في جغرافيا معينة، بل توجهت و نمت صوب الناس و البلاد التي تتوفر على مناخ سياسي و اجتماعي و ثقافي سليم و آمن !!

فالعمل العلمي بطبيعته هو عمل تراكمي مفتوح و مطروح لكل إنسان، و حصيلته تراكمية عالمية لكل أمة منه نصيب، بحسب تطورها و نموها أو تخلفها و انقطاعها عن المشاركة، بسبب ركودها و جمودها ..

فالعلم كسب إنساني عام و تاريخي، و إن كانت الأمم و العقائد تتفاوت في قدرتها على ضبط أهداف العلم و تذييله و توظيفه و تسخيره في خير الإنسان و تحقيق إنسانيته، أو تدميره و الهيمنة عليه، و عندها تتحول الآلة العلمية و الرحلة المعرفية لإنتاج أدوات السيطرة و الاستلاب و الاستعمار و الاستغلال على حساب سعادة الإنسان ..

ذلك أن القيم الهادية، أو العقائد أو الثقافات، أو الرؤىٰ و التصورات، هي أشبه بالمحرضات الثقافية و العلمية، فبعضها يدعو إلى الحركة و البحث و طلب العلم، و يرتب مسؤولية تقصيرية في الدنيا و الآخرة على التقاعس و الخمول و الركود و التقليد و الجمود و تحول الإنسان إلى الشعوذة و السحر و الخرافة و الأسطورة و الخيالات … و تصديق مثل هذه التصورات التخريفية تؤدي إلى توقف رحلة العلم، و تبحث عن مكان آمن، و يهجر العلم تلك الأوطان، و يهاجر الإنسان الفاعل إلى مواقع أخرى، ليجد تفسه و يطلق ملكاته فيها …

لذلك لا غرابة أن نجد أن الرحلة العلمية في مجتمع المسلمين، كانت تتعاظم و تنمو بشكل مواز لنمو الدين الإسلامي السليم و الالتزام بقيم الوحي المعصوم، و يتحقق الإنجاز العلمي …

فالمستقرئ للتاريخ الإسلامي، لا يعجزه أن يدرك أن القيم الإسلامية، شكلت ريادة للرحلة العلمية، حيث يرتقي العلم و يخرج علماء و مبدعين من كل العروق و الأجناس حيث وصل الإسلام و التزم بقيمه السليمة و أحكامه، و يخبو و يتراجع و تنطفئ شعلته حينما ينكمش التدين الصحيح، أو يُحال بينه و بين الإنسان …

من هنا أقول : إن الأمة التي أنتجت علماء عظماء و مبدعين، أو بتعبير أدق : إن العقيدة الخالدة التي أنتجت علماء و مفكرين و مبدعين قادرة إذا توفرت لها الظروف على معاودة الإنتاج في كل زمان و مكان و إنسان، و إن الجمود و التخلف و التقليد و التوقف و التراجع العلمي يعني حصول الإصابات الكبرى في صور التدين و الخلل المفزع في فقه الدين، لذلك فالاطلاع على التاريخ العلمي للأمة أو الإنتاج العلمي للقيم و العقائد يعتبر من الأمور الأساسية في المجال العلمي و التربوي و الثقافي لمعاودة إخراج الأمة الوسط، و استشعار المسؤولية، و استئناف الرحلة العلمية، و بناء الأجيال بدل هذا الجيل المخبول المسروق، و الإقلاع الحضاري من جديد …

عن admin

شاهد أيضاً

مشاركة مكومار في النسخة العشرين لمنتدى “arts et métiers entreprises”

شاركت مكومار طلاب الهندسة بالمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بمكناس تنظيم النسخة العشرين لمنتدى “arts …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *